تُعرب المنظمات الموقعة أدناه عن إدانتها الشديدة للحكم الغيابي الصادر بتاريخ 1 يوليو/جويلية 2025 بحق الناشطة رملة الدهماني، والذي قضى بسجنها عامين مع النفاذ العاجل. وقد صدر الحكم بموجب الفصل 24 من المرسوم عدد 54 لسنة 2022، الذي يُجرّم نشر “أخبار كاذبة” عبر شبكات الاتصال، وهي صيغة فضفاضة تُستخدم لتجريم التعبير السلمي عن الرأي والنقد المشروع. ويأتي ذلك بسبب تصريحات علنية تناولت فيها ظروف احتجاز شقيقتها، المحامية والمعلقة السياسية سنية الدهماني. كما أن إصدار الحكم غيابيًا، دون ضمان حضور المتهمة أو تمكينها من الدفاع، يُشكّل انتهاكًا جسيمًا للحق في المحاكمة العادلة المكفول بموجب المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

يُعد هذا الحكم أحدث مثال على توظيف السلطات التونسية للمرسوم عدد 54 كأداة لتقييد حرية التعبير، وقمع المواقف الناقدة، وتجريم التضامن مع الضحايا. ويأتي ذلك في سياق تضييق غير مسبوق على الحريات العامة في تونس منذ 2021، حيث تُستخدم نصوص قانونية استثنائية، وعلى رأسها المرسوم 54، بشكل ممنهج ضد التعبير الحقوقي والسياسي، في انتهاك واضح لمبدأ الشرعية الجنائية، ومبدأ عدم إساءة استخدام القانون لتجريم الحقوق والحريات الأساسية. ويُرافق هذا المنحى تصعيد في محاصرة المجتمع المدني، وتقييد استقلالية مهنة المحاماة، والضغط على الإعلام المستقل.

إن معاقبة رملة الدهماني على خلفية ممارسة حقها المشروع في التعبير عن قلقها إزاء الانتهاكات المرتكبة بحق شقيقتها، تمثّل خرقًا جسيمًا للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك التعليق العام رقم 34 الصادر عن لجنة حقوق الإنسان بشأن المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، وإعلان الأمم المتحدة لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان.

لم تقتصر تصريحات رملة الدهماني على الرأي الشخصي، بل جاءت في سياق ممارسة العائلات لحقها في فضح الانتهاكات ضد أفرادها، وهو امتداد طبيعي لدور المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان. ومع ذلك، اختارت السلطات القضائية ملاحقتها قضائيًا دون فتح أي تحقيقات مستقلة وفعالة في مزاعم سوء المعاملة، في خرق صريح لمبادئ الأمم المتحدة بشأن التحقيق في الانتهاكات الجسيمة، ومساس صريح بالحق في الإنصاف القضائي.

هذا الحكم لا يمكن عزله عن السياق الأوسع للتصعيد القضائي في تونس، حيث أصبح المرسوم 54 يُستخدم بصورة منهجية ضد الصحفيين، والنقابيين، والناشطين والناشطات، وأفراد عائلات المعتقلين السياسيين، في محاولة واضحة لتفكيك دوائر التضامن المجتمعي وعزل المعتقلين عن الرأي العام. كما يُعد هذا الاستهداف امتدادًا لنمط متزايد من التضييق على المدافعات والنساء في الفضاء العام، عبر تجريم حضورهن السياسي والاجتماعي.

الحكم على رملة الدهماني يُجسّد نمطًا من العقوبات الانتقامية التي تهدف إلى إسكات المدافعين، وترهيب الأقارب، ومنع تداول المعلومات عن الانتهاكات. ويعكس غيابًا منهجيًا لاحترام التزامات الدولة الدستورية والدولية، بما في ذلك التزاماتها أمام مجلس حقوق الإنسان وآليات المعاهدات. فالفصل 31 من الدستور التونسي يكفل حرية الرأي والتعبير، بينما يشترط الفصل 49 أن تكون أي قيود على الحقوق مبررة وفقًا لمبادئ الضرورة والتناسب، وهو ما لا ينطبق على هذا النوع من الملاحقات.

نحن، المنظمات الموقعة أدناه، نعتبر أن هذا الحكم يُشكّل سابقة خطيرة في استخدام التشريعات الاستثنائية لتجريم التضامن المشروع وتحويله إلى “جريمة معلوماتية”، وهو ما يُهدّد بترسيخ مناخ دائم من الترهيب والصمت المفروض بالقانون، ويُقوّض الحماية الممنوحة للمدافعين والمدافعات.

بناءً عليه، فإننا:

إن استهداف المدافعات وتجريم الأقارب واستخدام القضاء كأداة للترهيب لن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة حقوق الإنسان وتقويض أي مسار ديمقراطي حقيقي في البلاد، ويُفرغ النصوص الدستورية من مضمونها، ويُرسّخ الانحدار المؤسسي والقانوني الذي تعيشه تونس اليوم.

 

المنظمات الموقعة

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع مسجل على wpml.org كموقع تطوير. قم بالتبديل إلى مفتاح موقع إنتاجي لـ remove this banner.